علي محمد علي دخيل

383

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وجهه يوم القيامة عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا يحشرون على هذه الصفة عميا كما عموا عن الحق في دار الدنيا ، بكما جزاء على سكوتهم عن كلمة الإخلاص ، وصما لتركهم سماع الحق ، واصغائهم إلى الباطل . قال مقاتل : هذا حين يقال لهم : اخسئوا فيها ولا تكلمون ، وقيل : يحشرون كذلك ثم يجعلون يبصرون ويسمعون وينطقون ، عن الحسن مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً أي مستقرهم جهنم كلما سكن التهابها زدناهم اشتعالا فيكون كذلك دائما ذلِكَ أي ذلك الذي تقدم ذكره من العقاب جَزاؤُهُمْ استحقوه بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا أي بتكذيبهم بآيات اللّه وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً مثل التراب مترضضين أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً مرّ معناه في هذه السورة أَ وَلَمْ يَرَوْا أي أو لم يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ لأن القادر على الشيء قادر على أمثاله ، وإذا كان قادرا على خلق أمثالهم كان قادرا على إعادتهم إذ الإعادة أهون من الإنشاء في الشاهد ثم قال سبحانه : وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ أي وجعل لاعادتهم وقتا لا شك فيه انه كائن لا محالة وقيل معناه وضرب لهم مدة ليتفكروا ويعلموا ان من قدر على الابتداء قدر على الإعادة وقيل : وجعل لهم أجلا يعيشون إليه ويخترمون عنده لا شك فيه فَأَبَى الظَّالِمُونَ لنفوسهم الباخسون حقها بفعل المعاصي إِلَّا كُفُوراً أي جحودا بآيات اللّه ونعمه . وفي الآية دلالة على أن القادر على الشيء يجب أن يكون قادرا على جنس مثله إذا كان له مثل ، وعلى أنه يجب أن يكون قادرا على ضده لأن منزلته في المقدور منزلة مثله ، وفيه دلالة أيضا على أنه يقدر على إعادته إذا كان مما يفنى وتصح عليه الإعادة ثم قال سبحانه قُلْ يا محمد لهؤلاء الكفار لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي أي لو ملكتم خزائن أرزاق اللّه وقيل : لو ملكتم مقدورات ربي أي ما يقدر عليه ربي من النعم إذ لا يكون له سبحانه موضع يخزن فيه الرحمة ثم يخرج منه كما يكون العباد ورحمته نعمه لَأَمْسَكْتُمْ شحا وبخلا خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ أي خشية الفقر والفاقة والمعنى : لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفقر وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً أي بخيلا ، عن ابن عباس وقتادة ، وهذا جواب لقولهم : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ، ويقال : نفقت نفقات القوم إذا نفدت ، وأنفقها صاحبها : أي أنفدها حتى افتقر . وظاهر قوله : وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً العموم ، وقد علمنا أن في الناس الجواد ، والوجه فيه أحد أمرين : وهو ان يكون الأغلب عليهم من ليس بجواد ، فجاز الإطلاق تغليبا للأكثر ، وأيضا فإن ما يعطيه الإنسان وان عدّ جوادا بخل في جنب ما يعطيه اللّه سبحانه ، لأن الإنسان إنما يعطي ما يفضل عن حاجته ، ويمسك ما يحتاج إليه ، واللّه سبحانه لا تجوز عليه الحاجة فيفيض من النعم على المطيع والعاصي إفاضة من لا يخاف الحاجة . 101 - 105 - ثم ذكر سبحانه قصة موسى ( ع ) فقال وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ أي ولقد أعطينا موسى تسع دلالات وحجج واضحات هي : الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والبحر والعصا والطمسة والحجر ، والطمسة هي دعاء موسى وتأمين هارون فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ هذا أمر للنبي ( ص ) أن يسأل بني إسرائيل لتكون الحجة عليهم أبلغ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً أي معطى علم السحر ، فهذه العجائب التي فعلتها من سحرك قالَ موسى لَقَدْ عَلِمْتَ أنت يا فرعون ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ أي هذه الآيات إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الذي خلقهن بَصائِرَ أي أنزلها حججا وبراهين للناس يبصرون بها أمور دينهم ، وروي أن عليا عليه السلام قال في علمت : واللّه ما علم عدوّ اللّه ولكن موسى هو الذي علم فقال لقد علمت وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً معناه . واني